بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
ديسمبر 2018
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية


ونحن لحومنا مسمومة!

اذهب الى الأسفل

ونحن لحومنا مسمومة!

مُساهمة من طرف القادسية في الأحد أكتوبر 11, 2009 9:24 am

ونحن لحومنا مسمومة!
لا خلاف في فضل الجهاد في سبيل الله على سائر العبادات، وقد ورد من الأدّلة على ذلك في الكتاب والسنّة ما لا يحصى كتفضيلها على السقاية وعمارة المسجد الحرام وتفضيل النبي لها على الصيام والقيام المتتابع المتواصل، وقد ذكر ذلك العلماء كثيراً في فضلها ففضّلوها على المجاورة في الحرمين وعلى غير ذلك مما يصعب تقصّيه وحصره.
وكذلك فقد ورد تفضيل العلم والحثُّ عليه وعلى طلبه، وورد في القرآن والسنّة وأقوال أهل العلم ما يؤكّد فضل العلم وعظم منزلته وتفضيله على العبادة وعظم أجره وأجر صاحبه والماشي إليه ونحو ذلك من الفضائل المترتّبة عليه والحضّ على العلم وطلبه.

فمن ها هنا أصبح العلم والجهاد كفرسي رهانٍ يستبقانِ في المنزلة والفضل، وأصبح العلماء والمجاهدون الذين هم أفضل أصناف الأمّة يتسابقون ويتسارعون لحوز الأفضليّة أيّهما يسبق وتعلوا منزلته ويرتفع قدره ومكانته في الدّنيا والآخرة.

وليس المجال مجال تنافسٍ وتشاجرٍ وخلاف بل الجهاد والعلم كلٌّ منهما مكمّلٌ للآخر، يسيران في اتّجاهٍ وخطِّ متوازٍ، فلا يمكن الفصل بينهما ابتداءً فهما متداخلان في الأصل والدّين يكمّل بعضه بعضاً لا سبيل إلى أخذ بعضه وترك بعضه والإعراض عن بعضه.

ومن أهمّ أسباب انحطاط الأمّة وتدهور حالتها وضعف بنيتها الفصل بين هذين الركنين العظيمين من أركان الدين، حّتى كادا لا يجتمعان إلاّ ما رحم الله، فصار العالم قاعداً في أكثر أمره لا يؤدّي ما فرضه الله عليه وأمره به من الجهاد في سبيل الله والذّود عن حياض الدّين، وأصبح من المجاهدين من يجاهد بلا علمٍ فيفسد أكثر مما يصلح ويضرّ أكثر مما ينفع، ولو أنّ العالم جاهد والمجاهد تعلّم لصلح الأمر واعتدل الحال.

فمن يا ترى المسؤول عن هذه الحالة؟ العالم القاعد الذي ترك الجهاد ورضي بأجر وفضيلة تعليم العلم، أم المجاهد الذي جاهد بلا علمٍ ولا تعلّم ولا حرصٍ على مسائل الدّين؟

هاهنا اختلف الناس وتنازع القوم وتكسّرت النّصال على النّصال فلمّا احتدم القتال وحمي الوطيس أخرج العلماء أنفسهم بمقولة لا هي من كتاب الله ولا من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هي تشهد لهم وتدفع عنهم بل أقصى ما تشبّه أن يقال لهم فيها ما قاله عليّ رضي الله عنه: (هذه كلمة حقٍّ يراد بها باطل).

تلكم هي مقولة ابن عساكر رحمه الله تعالى: (لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة).

ولستُ الآن في مجال تبيين من المسئول عن انهزام الأمّة وضعفها ووهنها، فذلك له مجالٌ آخر يطول والجميع مسئولٌ بنوعٍ وقدرٍ من المسئوليّة، ولكنّي أريد أن أعطي للمجاهدين ما للعلماء من الحقّ في كلمة ابن عساكر رحمه الله تعالى وأقلب المثل بأن أقول؛ "لحوم المجاهدين مسمومة".

فهل حقَّاً لحوم المجاهدين مسمومة؟!

أقول: إنّ الله جلّ وعلا لمّا حرّم الغيبة جعلها حكماً عاماًً في الناس ولم يفرق فيها بين صاحب طاعة ٍ أو طاعةٍ أخرى وإن كان معلوماً أنّه كلما علت منزلة من وقعت عليه الغيبة كلّما زاد إثم المغتاب له، ومثال ذلك ما ورد في قصّة الصحابي الذي زنى فرُجم فاغتابه بعض الصحابة وقد شهد له النبي صل الله عليه وسلم بأنّه تاب توبةً نصوحاً.

فمن هنا يتبيّن أنّ أهل العلم خصّوا العلماء بذلك وذكروهم به لأنّ منزلة العلم والعلماء عظيمة، فالإثم في من وقع في أعراضهم أشدّ، كما أنّ من يقع في عرض النبيّ صلى الله عليه وسلّم وصحابته وأزواجه إثمه أشدُّ ممن يقع في أعراض من سواهم من المسلمين.

فإذا تبيّن لنا العلّة التي جعلت ابن عساكر رحمه الله تعالى يؤكّد بسببها على حرمة أعراض العلماء، وجدناه منطبقاً بتمامه على أهل الجهاد والرباط بل هؤلاء قد يفوقونهم فيه كما سنبيّن قريباً.

وليس تمّة سببٌ آخر يعظّم أعراضهم أكثر من غيرها، ولم يرد نصٌّ يختصُّ بهم دون بقيّة أهل الإسلام - على أنّ هذا ورد في المجاهدين - فمن هنا نقول بأنّ لحوم المجاهدين مسمومة كلحوم العلماء أو أشدّ خاصّة في عصرنا الذي صار فيه الجهاد متعيّناً على الجميع.

ثمّ إنّ إثم الشيء يكون على قدر أثره، فإثم المغتاب للمجاهدين ضرره عامٌ كبيرٌ، وإثم مغتاب العلماء وإن كان كذلك، إلاّ أنّ ضرره لا يبلغ مبلغ مغتاب المجاهد، فإن غيبة العالم ربّما ضرّت بالعلم وأهله ولا تتعدّى ذلك غالباً، أمّا غيبة المجاهدين فضررها عظيم يترتّب عليه ضياع الدّين والنّفس والمال والعرض فأيّهما أعظم؟! فمن هنا كانَ إثم من يقع في أعراض المجاهدين أعظم.

ثمّ إنّ فيما يخصّ أعراض المجاهدين نصّاً واضحاً على تشديد حرمة أعراضهم والمبالغة في التّحذير منها، فقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟).

فإذ كان هذا في حرمة نسائهم؛ دلَّ على أنّ الوقوع في أعراضهم أشدُّ إثماً من الوقوع في أعراض غيرهم من سائر الناس.

وهذا الحديث حجّة لأهل الجهاد أنّ أعراضهم - ومنها غيبتهم - أشدّ حرمة من القاعدين، لو كان القعود جائزاً، فكيف الحال والجهاد اليوم متعيِّنٌ على كلِّ أحد؟!

وحتّى نعرف أيّ الرجلين أشدّ حرمة والوقوع في عرضه أعظم جرماً، لا بدّ أن نعرف أيّ الرجلين أفضل، ومن منهما أخيَر وأفضل المجاهد أم العالم.

فهذا له عدّة أحوال:

1) أن يكون الجهاد غير متعيِّنٍ والعلم كذلك؛ فكلٌّ منهما لم يبلغ مرتبة التعيين كأن يكون فرض كفاية وقام به من يكفي من الأمّة، فالظاهر في هذه الحالة - والله أعلم - أنّه يصعب تفضيل أحدهما على الآخر، فمن ثمّ ينبني عليه أن تكون غيبة المجاهد والعالم متقاربةً في الإثم، والوقوع في أعراض هؤلاء وهؤلاء إثمه متوازٍ، وهذه ليست حالتنا في هذا العصر، فإنّ الجهاد فرض عين باتّفاق.

2) أن يتعيّن العلم والجهاد لم يتعيّن؛ فالعالم أفضل من المجاهد وأعلى مرتبةً وأعظم نفعاً وإثم من يقعُ في عرضه أعظم من إثم من يقع في عرض المجاهد الذي لم يتعيّن عليه الجهاد.

3) أن يكون الجهاد متعيّناً والعلم غير متعيِّن؛ فهُنا يكون المجاهد أعظم من العالم وأفضل منه، إذ هو يقوم بفرضٍ من فروض الدين، والإثم على من يقع في عرضه بغيبةٍ أو بغيرها أشدُّ من إثم من يقع في عرض غيره.

4) أن يتعيّن العلم ويتعيّن الجهاد؛ فإنّه في هذه الحالة يقدّم الجهاد - إن تعذّر الجمع بينهما اللهم إلاّ العلمُ بأصل الدين والإيمان - بل إنّ الجهاد إذا تعيّن قُدِّم على سائر الفروض والواجبات عدا الإيمان، وحتّى الصلاة فإنّ المجاهد لا يعامل بها كالقاعد بل يصلّي بحسب إمكانه.

أمّا طالب العلم مثلاً؛ إذا تعيّن عليه العلم لم يجز له أداء الصّلاة بنقصٍ أو بأيِّ اتّجاهٍ أو غير ذلك من الأحكام التي تختصّ بالمجاهد، وكذلك الصيام فإنّه إن خشي الهزيمة بسبب صيامه وعدم القدرة على الجهاد المتعيِّن وجب عليه الفطر.

قال شيخ الإسلام: (والعدوّ الصائل الذي يفسد الدّين والدّنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ولا يشترط له شرط...).

ففي هذه الحالة يكون المجاهد أفضل من العالم القاعد.

بل المجاهد لا يأثم بتركه طلب العلم المتعيّن، أمّا العالم فإنّه يأثم بترك الجهاد المتعيّن عليه ولو اشتغل عنه بفرض العلم، فلّما كان المجاهد والحالة هذه أفضل من العالم القاعد؛ كانَ إثم من يقع في المجاهدين أشدّ الإثم وجرمه أفضع الظلم.

وسواءً قال أحدٌ؛ بتعيّن العلم اليوم أم لم يقُل، فعلى أيّ القولين يكون الجهاد أفضل وأعظم حرمةً وأشدُّ وأعلى منزلة، فإثم من يقع في أعراض المجاهدين أشدُّ من إثم من يقع في أعراض غيرهم كائناً من كان.

وهذا ردٌّ بالعلم على هؤلاء الذين يدعون إلى التحاكم للعلم والرّجوع إليه، فهذا العلم يحكم للمجاهدين على العلماء القاعدين، ونعمَّا به من حَكَمٍ وحاكم، فقد أثبت لنا أنّ؛ "لحوم المجاهدين مسمومة".

وقد بقي بعد كلّ هذا السّرد أمرٌ يجدر التنبيه عليه؛ ألا وهو أنّ المقارنة التي أجريناها هذه، إنّما عنينا بها العلماء الصادقين المخلصين القاعدين، والمجاهدين في سبيل الله حقّاً وصدقاً، أصحاب المنهج السديد والرأي السليم الرشيد.

فأمّا أنصار الطواغيت والكفار وأصحاب المبدئ الهدامة والأفكار المختلّة، أو علماء السوء وأبواق الضلالة؛ فهؤلاء لا نقصِدُ إليهم في كلامنا البتّةً.

بل هؤلاء يجب كشف عورهم وتوضيح خطرهم للناس، وما في لحومهم إلاّ سموم الحرام وأكل أموال النّاس، وملء البطون من موائد الطواغيت، فمِن هاهُنا يقولون للناس: "نحن لحومنا مسمومة"! أي مما سمّمت به من أموال السّحت، ففيهم شبهٌ ممن قال الله فيهم: {إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العلماء العاملين، والمجاهدين المرابطين، وأن يكتب لنا الأجرين، ويجمع بين المنزلتين.

والله أعلى وأعلم
وصلى الله وسلّم على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين
بقلم؛ أبي عبد الصمد السيوطي
عن مجلة صدى الجهاد
العدد الخامس



--------------------
منقول


القادسية

المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى