بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
أغسطس 2018
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031 

اليومية اليومية


(تحريف الاسلام بحجة لا ينكر تغير الاحكام بتغير الزمان والمكان)

اذهب الى الأسفل

(تحريف الاسلام بحجة لا ينكر تغير الاحكام بتغير الزمان والمكان)

مُساهمة من طرف قادر في الإثنين أغسطس 23, 2010 7:21 pm



أعلنت أميركا الحرب على الإسلام وباشرتها، وتكررت تصريحات مسؤوليها بأن الأوضاع الحالية هي فرصة تاريخية لتغيير مسار التاريخ في الشرق الأوسط، وتتابعت حملاتها وتنوَّعت لهذا الغرض، ومنها حملتها لتغيير مناهج التعليم وبرامج الإعلام، وخصوصاً فيما يتعلق بالتعليم الشرعي، وبالأفكار الإسلامية، وربطت الإسلام بالإرهاب.
وهي تعمل لتغيير كثير من أفكار الإسلام، وتخطط لتحريف القرآن الكريم ومعانيه، ولإلغاء الثقافة الإسلامية، لتستبدل بها ثقافة الغرب، وأفكاره ومفاهيمه.
وفي ظل الصحوة الإسلامية المتصاعدة، يصعب تسريب مفاهيم الكفر، وإحلالها محل مفاهيم الإسلام، لذلك يعمد المفكرون والمخططون من عملاء الفكر الغربي إلى إلباس تلك المفاهيم ثوباً إسلامياً، ويتوسلون بأفكار تمهِّد لعملية التحريف، ويعتمدون أشخاصاً يصلحون للقيام بهذا الدور (على الأقل بنظرهم)، ويحاولون إنجاح عملية التحريف، من خلال عناوين الحرص على الأمة، ودينها، ومصالحها.
ولذلك تُفتح ملفات، ويركَّز على عناوين، تمهد لهذا الغرض، مثل تجديد الدين وتجديد أصول الفقه والفقه أو الإسلام، وتطوير الخطاب الديني، وتطوير الأحكام، ليصبح الإسلام صالحاً لهذا الزمان. وبغض النظر عن الأشخاص وعن النيات، فإن القائمين بعملية أو عمليات التحريف، يمرُّون سريعاً، وبطريقة تخلو من العلم، ومن الأمانة، عبر نصوص فقهية، يقتطعونها من مواضعها، ويضعونها في غير سياقها، ويعممونها في غير موضعها ليقولوا: هذه أمثلة يظهر فيها كيف تغيَّرت الأحكام، وكيف أن من الأئمة من عطَّل النصوص الشرعية في حالات معينة! ويحاولون النفاذ، من خلال جزئيات يعرضونها بشكل مُشوَّه، إلى إعلان قواعد أو أصول، لعلَّها تهيِّئ لهم عملية القفز فوق النصوص وتعطيلها، وليرتاض المسلمون بعد ذلك، ويَقِرَّ في نفوسهم أن النص ليس هو الفيصل؛ لأنه قابل للاجتهاد والتأويل، وأن الصواب هو أن نفقه مصالحنا، في كل ظرف على حدة، وبعد ذلك نَحمِلُ النص على رؤيتنا، وإذا تعارضت المصالح المزعومة مع النصوص، فإن تعليل النصوص أو الشريعة بالمصالح كفيل بتعطيل النصوص.
وفي خضم هذا التلاطم بين أميركا والأمة، وهذا المخاض لخروج العملاق الإسلامي، يتذكر هؤلاء بدعة تغير الأحكام بتغير الزمان، فيلجأون إلى تجديدها بدل تجديد الدين ويُنشئون معها بدعة جديدة هي بدعة الثوابت والمتغيرات، أي أن ما لم يكن قطعياً أو من العقيدة فهو متغير، ونتبع فيه مصالحنا ورؤيتنا المأخوذة من الواقع!
ومن الجدير بالذكر، أن هذه البدع هي بدع في الكليات وليست في الجزئيات، وفي الأصول وليست في الفروع، لذلك فهي تؤسس عن جدارة لدين آخر جديد، ليس فيه من الإسلام إلا الاسم وبعض العلامات.
وإنَّ تَرافُقَ التركيز على مثل هذه الأفكار، مع الحملة الأميركية على الإسلام لَيَبعثُ على التساؤل: هل الأمر صُدْفة أم ماذا؟
تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزمان؟!
نبحث في هذه المقالة واحدةً من الأفكار، لبيان مقدار ما فيها من تشويه للحقائق، وهي قول: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان، التي طلعوا علينا فيها مؤخراً، بأنه ليس فقط يجوز، أو لا ينكر تغير الأحكام، بل هو واجب!
وأكثر من يُستند إليه في زعم هذا التغيير هو ابن القَيِّم، رحمه الله، وكذلك يُستند إلى القرافي، رحمه الله، وإلى ابن عابدين رحمه الله، وإلى مجلة الأحكام العدلية. ويحتج البعض بما فعله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليصوروا فعله، وكأنه من قبيل تغيير الأحكام، وتعطيل النصوص، وما أعْظَمَها فريةً على الخليفة الراشد رضي الله عنه.
قول ابن القيِّم:
أما ابن القيم، رحمه الله، فلم يقل بهذا التغيير المذكور للأحكام، ولم يستجز، لا هو ولا أحد من العلماء والأئمة المعتبرين، إهمالَ النصوص أو الأحكام الشرعية تحت أي ذريعة. وكل ما قيل به في هذا الشأن، لا يخرج عن أخذ ما دلت عليه النصوص، عند تغير الواقع والأحوال، التي هي جزء من الفعل الذي جاء له الحكم.
والاستناد إلى ابن القيم هو بالتمسك بنصَّينِ له، أحدهما تحت عنوان: «فصل في تغير الفتوى واختلافها، بحسب تغير الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والنيات، والعوائد» يقول فيه: «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم، ومصالح العباد، في المعاش، والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحِكْمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل» .
أما النص الثاني، فهو قوله: «قال الشافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلاً، يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: إلا ما وافق الشرع، أي لم يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن» .
أما النص الأول، فمراد ابن القيم به واضح، وهو أن الشريعة هي العدل، والرحمة، والمصلحة، والحكمة، ولذلك فهي تعطي أحكاماً مختلفة، للأحوال المختلفة، والأفعال المختلفة، أي أن الشريعة نفسها راعت هذا الأمر، فيجب الالتزام بها، وعلى المفتي، حين يفتي، أن يفهم الأحوال المختلفة، وأن يبحث عن حكم الشريعة في كلٍّ من هذه الأحوال. وحكم الشريعة هو الذي يضمن أو يكفل تحقيق العدل، والرحمة، والمصلحة، والحكمة. وليس في النص – لا من قريب ولا من بعيد – ما يفيد جواز اتباع الحِكَم، والمصالح، والحُكْم بما يراه الحُكَماء، أو الفقهاء، موافقاً لها، ولو خالفت النصوص.
وكذلك النص الثاني، فليس فيه حجة لمن يسعى إلى تحكيم المصالح، وتغيير الأحكام، أو مخالفة النصوص. وإنما فيه أن الوحي لم ينص على كل واقعةٍ أو جزئيةٍ نصاً مباشراً، وإنما جاء بعمومات وأقيسة، فما كان مندرجاً تحت هذه العمومات والأقيسة فهو صحيح موافق للشرع، وإن لم ينص الشرع عليه بعينه. وليس في النص ما يدل على أن ابن القيم يقول بجواز تغيير الحكم الشرعي بغير نص شرعي، أي بالاعتماد على المصالح كما يراها ذوو الرأي، أو الحكماء، أو ذوو الأهواء. ويؤكد هذا قوله في النص: فإن أردت بقولك: إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح». وكذلك ليس في النص ما يفيد أن هناك واقعة لا حكم لها في الشرع، وأن هذه الواقعة تُحكِّم فيها المصالحَ كما يراها فقهاء المصالح. ولو كان الأمر كذلك لما حصلت الموافقة للشرع، ولذلك فمعْنى الموافقة، في نص ابن القيم، هو موافقة الحكم في الجزئيات، أو الأفراد، للأحكام الكلية، أو العامة. ويؤكد هذا الأمر نصوصٌ كثيرة لابن القيم منها: «إن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا الله ولا رسوله على رأي، ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلها، والنصوصُ كافيةٌ وافيةٌ بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليل للكتاب والميزان» .
ولذلك وجدنا ابن القيم، رحمه الله، في عشرات الأمثلة، عندما يتراءى للنا ظر أن الحُكم الشرعي المستنبط يتعارض مع الحكمة، أو المصلحة، فإنه دائماً، وباطِّرادٍ لا يتخلَّف، يعمد إلى استقصاء المصالح، والحِكَم، ويُؤَوِّلُها، لكي تتطابق مع دلالات النصوص وليس العكس.
الأحكام السلطانية:
والمعنى بالتفصيل، للنص الثاني، المذكور أعلاه من كتاب (الطرق الحُكْمية)، هو أن الشريعة قد أناطت بولي الأمر رعاية شؤون الناس ليسوسهم بالإسلام. وقد أعطى الشرع للخليفة صلاحيات لتحقيق هذه الرعاية على أحسن وجه، وليس له أن يُحِلَّ حراماً، أو يحرِّم حلالاً؛ لأن هذا الأمر تشريع، وهو لله وحده، وليس لأحد سواه. والخليفة ملزَم بأخذ أمر الله تعالى وتطبيقه. والشرع جعل القرار للخليفة في الوسائل، والأساليب، والخطط، وفي أعمال الإدارة التي جاءت الأوامر فيها عامة، ولم تُعَيِّنها بعينها، فهو يتصرف من ضمن الإباحة المندرجة تحت الدليل العام، ويتصرف من تحت الحد المشروع. وفي هذه الدائرة، أو الدوائر، عليه أن يجهد في النصح للمسلمين، ولا يجوز له ولا لغيره أن يعطِّل نصاً، أو أن يلغي بعضه، أو يخصِّصه، أو يقيده بمصلحة يراها، أو حكمة يزعمها. وإنما يصح هذا بنصٍ شرعي يعضد التخصيص أو التقييد. ولا محل لتعطيل نص في دين الإسلام، إذ إن هذا إما مضاد لله تعالى، وإما نسخ، والأول حكمه معروف، والثاني لا وجود له بعد موت النبي .
وعلى سبيل المثال: الخليفة يأمر بشق طرق، أو بناء سدود، أو إنشاء مستشفيات، أو مدارس، أو مختبرات، أو مصانع، أو يقدِّم واحدة من هذه على غيرها، أو يأمر بخطة من خطط الدفاع العسكري، أو الهجوم، أو الإعداد، ويرفض غيرها، وهذا كله مندرج تحت النصوص العامة التي تأمر بالإعداد، والجهاد، وحمل الدعوة، وحفظ دماء المسلمين، وأعراضهم، وأموالهم، وموافقٌ له. هذا هو معنى القول: السياسة ما وافق الشرع وليس ما نطق به الشرع، وهي التي يسميها الفقهاء «الأحكام السلطانية».
وعلى سبيل المثال أيضاً: لا يجوز للخليفة أن يوقف أو يبدل عقوبة المرتد، أو أن يجعل للمرأة الحرية في الالتزام باللباس الشرعي أو عدمه، أو أن يساويها بالرجل في الميراث من أبويها؛ لأن هذا مخالف للنصوص، وإن اندرج تحت عناوين الحريات العامة، أو حقوق الإنسان، أو المرأة، السائدة في عصرنا، أو ساد في المجتمع، أو غلبت فيه العادة، أو صار مقبولاً في عرف الناس، فإن فعل شيئاً من ذلك، أو مثلَه، فقد أ ظهر الكفر البواح.
لا قطع في غزو ولا مجاعة:
يقول ابن القيم في أحد أمثلته التي تبين مقصوده بتغير الفتوى: إن النبي «نهى أن تقطع الأيدي في الغزو» رواه أبو داود، فهذا حد من حدود الله تعالى وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله تعالى من تعطيله أو تأخيره» . ثم يورد أقوال علماء كثيرين، على أن الحدود لا تقام في أرض العدو. ثم يقول: «وليس في هذا ما يخالف نصاً، ولا قياساً، ولا قاعدةً من قواعد الشرع، ولا إجماعاً، بل لو ادُّعيَ أنه إجماع الصحابة لكان أصوب» . فهذا واضح، لا يحتمل غير أن تَغَيُّرَ حكم القطع في الغزو، إنما كان بنصٍ من النبي وأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم. وعلى ذلك، فمقصود ابن القيم بتغيير الأحكام هو أن الشرع نفسه أعطى حكماً مختلفاً عند اختلاف الوقائع، والفتوى المختلفة للواقعة المختلفة تعتمد على الدليل الشرعي، ولا دخل في ذلك لزمان، أو مكان.
ويقول، رحمه الله، في مثال آخر على الأمر نفسه: «إن عمر بن الخطاب أسقط القطع عن السارق في أيام المجاعة» . ثم يقول: «وهذا محض القياس ومقتضى قواعد الشرع.... وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشُبه التي يذكرها كثير من الفقهاء» . وهذا واضح في أنه استناد إلى الحديث الشريف: « ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» رواه الترمذي. وعن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قَالَ: «ادرؤوا الحدود بالشبهات، وادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم» والمجاعة شبهة قوية تدرأ الحد كما قال. فهذا عين تطبيق النص، ويؤكد مقصد ابن القيِّم بالتغيير،وهو أن الشرع نفسه أعطى للوقائع المختلفة أحكاماً مختلفة. فإذا أفتى المفتي بحُكم الشرع فسيظهر اختلاف الأحكام، وهو القطع في الأحوال العادية، وعدم القطع في المجاعة، وعدم القطع في الغزو. فهذا هو الذي لا ينكر بتعبير ابن القيم، لأنه اتباع للنص الشرعي الذي قال: إقطعوا ولا تقطعوا في الغزو، واقطعوا ولا تقطعوا في المجاعة. وهنا أيضاً ليس ثمة أثر للزمان، أو المكان، في أيٍّ من الحكمين. أضف إلى ذلك، أنه لم يُنكِر أحد من الصحابة على عمر رضي الله عنه عدم إيقاعه حد القطع في المجاعة، مع أن هذا مما يشتهر ويُنكر لو كان مخالفاً للشرع، فدل هذا على إجماع الصحابة على هذا الحكم. وإجماع الصحابة يكشف عن دليل شرعي من الوحي، سواء وصلنا الدليل أم لم يصلنا، وهو ليس إجماعاً على أمر بمحض الرأي. وهذا مما يبدو أن كثيرين ممن يتصدرون للفتوى، وللعلم الشرعي، في عصرنا، لا يفهمونه، أو لا يريدون أن يفهموه. وهذا كله ناهيك عن القاعدة: «لا قطع في مجاعة» المأخوذة من درء الحدود بالشبهات ومن الحديث الذي رواه الإمام أحمد وفيه: «فَأَصَابَنِي مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ فَمَرَّ بِي بَعْضُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لِي لَوْ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَأَصَبْتَ مِنْ ثَمَرِ حَوَائِطِهَا فَدَخَلْتُ حَائِطًا فَقَطَعْتُ مِنْهُ قِنْوَيْنِ فأَتَانِي صَاحِبُ الْحَائِطِ فَأَتَى بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ خَبَرِي وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ فَقَالَ لِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا فَقَالَ خُذْهُ وَأَعْطِ صَاحِبَ الْحَائِطِ الآخَرَ وَخَلَّى سَبِيلِي».
الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة:
ومن الأمثلة التي يوردها ابن القيم على تغيير الفتوى، مثال مفيد في رد الافتراءات عليه، وعلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وهو حكم جمع الطلقات بلفظ واحد، حيث يرى ابن القيم أن الحكم الشرعي في الطلاق بالثلاث دفعةً واحدةً أنه يقع طلقةً واحدة، وأن عمر ابن الخطاب لا يخالف في أن هذا هو الحكم، وقد أَمَرَ به وطبقه. ومع ذلك فقد أمر بإمضاء الثلاث ثلاثاً، وأن الصحابة وافقوا عمر على ما ألزم به، وأفتَوْا بالثلاث ثلاثاً. فهل يقصد ابن القيم أن أمير المؤمنين استجاز مخالفة الحكم الشرعي لمصلحة رآها برأيه، أي أنه عطَّل النص؟ الجواب بالنفي قطعاً، ومثل هذا القول تشنيع على عمر، وعلى ابن القيم نفسه.
ولقد ذهب ابن القيم إلى أن الطلاق بالثلاث يقع واحدةً. ورأى أن هذا لا يخفى على عمر بن الخطاب، وقد أمضاه مدة سنتين أو ثلاث من خلافته، ثم إنه رأى الناس استهانوا بالطلاق، وكثر منهم إيقاعه دفعةً واحدة، وإيقاعه هكذا حرام شرعاً، ويستحق فاعله العقوبة. وهذه العقوبة تعزيريةٌ، يرجع تعيينها والأمر بها إلى ولي الأمر، وقد لا يأمر بعقوبة لها، ويترك أمرها الرادع الديني. وبما أن هذه المخالفة قد كثرت وأفسدت، بعد مضيِّ السنتين أو الثلاث من خلافته، فقد رأى رضي الله عنه إمضاء الطلاق بالثلاث ثلاثاً، عقوبةً تعزيريةً للفاعل، وهي عقوبة يتبناها الخليفة من عقوبات أبيح له شرعاً أن يعاقب بها، وقد اختار عمر رضي الله عنه، معاقبة المخالف الذي يطلق بالثلاث دفعة واحدة، بإمضاء ما قال، أي بمنعه من مراجعة مطلقته، إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، وهذا على اعتبار أن إمضاء هذا الطلاق ثلاثاً يؤدي إلى حرج وندم من قِبَل المطلِّقين هكذا، فينزجرون وينزجر غيرهم، أما موافقة الصحابة لأمير المؤمنين، وإفتاء ابن عباس رضي الله عنه بالثلاث ثلاثاً مخالفاً روايته عن النبي أنه قضى بالثلاث واحدة، فذلك لأن أمير المؤمنين قد ألزم بها عقوبةً. ومعلوم في قواعد الشرع أن أمر الإمام نافذ ظاهراً وباطناً، ولذلك التزموا أمره وأفتَوْا به. هذا هو رأي ابن القيم وفيما يلي توثيقه:
يقول: «إن المطلِّق في زمن النبي وزمن خليفته أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، كان إذا جمع الطلقات بفمٍ واحدٍ جُعلت واحدةً، كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس، فروى مسلم في صحيحه عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: كان الطلاق بالثلاث في عهد رسول الله ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» . ويقول: «والمقصود أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يَخْفَ عليه أن هذا هو السنة، وأنه توسعةٌ من الله لعباده إذ جعل الطلاق مرةً بعد مرة، وما كان مرةً بعد مرةٍ، لم يملك المكلف إيقاع مرّاته كلها جملةً واحدة» . ويقول: «وهذا خليفة رسول الله والصحابة كلهم معه في عصره، وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب، فلو عدَّهم العادُّ بأسمائهم واحداً واحداً لَوَجَدَ أنهم كانوا يرَوْن الثلاث واحدة» ثم يقول: «والمقصود أن هذا القول قد دلَّ عليه الكتاب، والسنة، والقياس، والإجماع القديم، ولم يأتِ بعده إجماع يُبطله، ولكنْ رأى أميرُ المؤمنين عمر رضي الله عنه أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملةً واحدةً، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم» . ويقول: «فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي وعهد الصديق، وصدراً من خلافته كان الأليَق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجاً، فلما تركوا تقوى الله، وتلاعبوا بكتاب الله، وطلقوا على غير ما شرعه الله، ألزمهم بما التزموه، عقوبةً لهم، فإن الله تعالى إنما شرع الطلاق مرةً بعد مرةٍ، ولم يشرعه كله مرةً واحدة، فمن جعل الثلاث في مرةٍ واحدةٍ فقد تعدى حدود الله وظلم نفسه ولعب بكتاب الله فهذا حقيقٌ بأن يُعاقَب، ويُلزَم بما التزمه» . وقوله «تلاعبوا بكتاب الله» و«لعب بكتاب الله» إشارة إلى قوله تعالى ﴿الطلاق مرتان﴾ وهؤلاء جعلوا المرَّتين، بل المرات الثلاث مرةً واحدة، فهذا تلاعب ومعصية تستحق العقوبة. ثم قال: «فهذا مما تغيَّرت به الفتوى لتغير الزمان، وعلم الصحابة، رضي الله عنهم، حُسْنَ رعاية عمر، وتأديبه لرعيته في ذلك، فوافقوه على ما ألزمَ به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك» .ثم قال: «ولا ريبَ أن من فعل هذا حقيق بالعقوبة، بأن يُنَفَّذَ عليه ما أنفذه على نفسه، إذ لم يقبل رخصة الله، وتيسيره، ومهلته» . فما فعله عمر هنا هو من ضمن الحق الذي أعطاه الشرع إياه، وهذه الصلاحية للخليفة حكم ثابت لا يتغير.
تغيّر الاصطلاحات والأعراف:
ومن الأمثلة عند ابن القيم، رحمه الله، تغير الفتوى بتغير العرف. ومقصوده بالعرف اصطلاحات الناس في معاني الألفا ظ، فقد يدل اللفظ على معنىً عند قومٍ، وعلى غيره عند غيرهم، في مكان آخر، أو زمان آخر، والعبرة ليست بالزمان، ولا بالمكان، وإنما بمعنى اللفظ، وهذا يؤثر في معنى القول، وبالتالي يؤثر في الحكم الشرعي المتعلق بهذا القول، إذ هو متعلق بمعناه. وهذا يَظْهَرُ في الأيْمان، والنُّذور، والإقرار، والنكاح، والطلاق، والعتاق، وفي العقول وفي الأقوال والأفعال التي تُؤثِّر فيها النيات والقصود. ولا علاقة لأيٍّ من هذا، ولا للأمثلة المذكورة سابقاً، لا بزمان، ولا بمكان. يقول ابن القيم: «ما تتغيَّر به الفتوى، لتغير العرف والعادة، موجبات الأيْمان، والإقرار، والنذور، وغيرها. فمن ذلك إن الحالِفَ إذا حلفَ: لا ركبتُ دابَّة، وكان في بلدٍ عرفهم، في لفظ الدابة، الفرس خاصة، حملت يمينه عليها دون الحمار.... فيُفتى في كل بلد بحسب عرفِ أهله، ويُفتى كلٌّ حسب عادته...» .ثم يتابع، رحمه الله، بذكر أمثلة في الطلاق، والعتاق، والنكاح، والأيْمان، وأثر النية والقصد في ذلك.
ولا يتسع المقام لذكر مزيد من الأمثلة، على مقصود ابن القيم، بتغير الأحكام، وبالمحافظة على الحِكَم، والمصالح، وهو أن الشريعة تكفلت ببيان هذا الأمر، بنصوصها المحيطة بالحوادث. وعشرات الأمثلة التي ذكرها، ومنها ما جاء في الجزء الثاني من كتابه (أعلام الموقعين)، تؤكد هذا الأمر ، ويكرر فيها أن أحكام الشريعة جاءت بحقيقة الحكمة، وموافقةً للقياس الصحيح. وقد بدا، خلال ذلك كله، يُؤَوِّلُ كلَّ حكمةٍ، وكلَّ قياسٍ، ليتوافق مع أحكام النصوص، وليس العكس الذي يفعله متبعو أهوائهم من الذين يلوون أعناق النصوص، لتكون في خدمتهم، بدل أن يكونوا خداماً لها، بل ويذهبون إلى وضع قواعد في ذلك، ليؤصَّلوا لعملية تعطيل النصوص. ويؤكد ابن القيم أن الشرع لم يطلب منا اتباع المصالح أو الحِكَم، فإن الشريعة هي التي تتكفل بذلك. وأن من يَقوم بالقياس الصحيح، ويتوصل إلى حقيقة المصلحة أو الحِكْمة، فسيكون حُكمه مع حكم الشرع. فإذا وجد أن حكم الشرع يخالف ما توصل إليه، فهذا يعني أنه أخطأ، وأن الحكمة والمصلحة هي حيث الشرع. ولم يطلب منا الشرع القيام بذلك القياس أصلاً. إلا أنه قد يخفى نصٌّ خاص في المسألة، فيُفتي المفتي بموجب النص العام، فإذا بلغه النص الخاص، فإما أن يكون موافقاً للعام، فيكون المفتي قد أصاب الحكم، وأصاب الحكمة والمصلحة، وإما أن يكون النص الخاص معارضاً، (أي مخصِّصاً)، فيكون المفتي قد أخطأ بذلك القياس، أي بإجراء الحكم العام في كل أفراده. وهاكَ نصَّ ابن القيم: «إن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا الله، ولا رسوله، على رأي، ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلَّها، والنصوص كافية وافية بها. والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليل للكتاب والميزان، وقد تخفى دلالة النص، أو لا تبلغ العالِم، فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقاً للنص؛ فيكون قياساً صحيحاً، وقد يظهر مخالفاً له، فيكون فاسداً» . ويقول: «إنه ليس في الشريعة شيءٌ على خلاف القياس، وإن ما يُظَنُّ مخالفته للقياس، فأحد أمرين لازم فيه ولا بد: إما أن يكون القياس فاسداً، أو يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع» .
ومن الجدير بالذكر، أن مراد ابن القيم بالقياس هنا ليس دليل القياس الذي هو إلحاق فرع لا نصَّ فيه، بأصل فيه نص، بناء على اتفاقهما في العلة، وإنما مراده إجراء العام في كل أفراده، بناء على جريان الحكمة المفهومة من الحكم العام في كل أفراده. ولذلك قال: «لم يُحِلْنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس».
فهل هناك حقاً مُسْتمْسَكٌ لمحرِّفٍ بابن القيم، الذي لو عاصر هؤلاء المتجرّئين على إهدار أحكام الشريعة، والآخذين بهدم كلياتها، لَحَبَّرَ في فضحهم طوال المصنفات؟
ما فعله عمر رضي الله عنه:
أما ما ينسبونه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أنه عطَّل النصوص الشرعية في سبيل المصالح برأيه، فَفِرْيَةٌ لا حظَّ لها لتكون بين الأفهام الشرعية، وتُنْبِئُ عن مكنونات أصحابها. حيث ينسبون إليه رضي الله عنه أنه عطَّل النص في قطع يد السارق عام الرمادة، أي في المجاعة، وأنه جعل الطلاق الثلاث دفعة واحدة ثلاثاً، وأنه عطَّل النص وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات، وأنه عطل النص وخالف فعل النبي حيث لم يقسم أرض العراق، والشام، ومصر، على المقاتلين.
أما عدم القطع في المجاعة فقد تبين فيما سبق، وإن فعل عمر رضي الله عنه هو عين إعمال النص. وأما مسألة الطلاق الثلاث، فقد تبينت فيما سبق أيضاً.
المؤلفة قلوبهم:
وأما سهم المؤلفة قلوبهم، فإن إيقافه هو عين إعمال النص أيضاً. فالنص يقول: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ الآية. ولفظ المؤلفة قلوبهم لفظ مفهم للتعليل، أي أنهم يستحقون أن يُعْطوا من الزكاة بسبب تحقق هذا الوصف فيهم، فإذا زال هذا الوصف زالت علة إعطائهم. فهل إيقاف عمر لإعطائهم من الزكاة تعطيل للنص، أم إعمال له؟ وكذلك يقال في الفقراء، فإن كان المسلم فقيراً يستحق أن يعطى من مال الزكاة، فإذا ارتفع فقره وصار غنياً، فهل منعُ مال الزكاة عنه تعطيل للنص، أم هو عين إعمال النص؟ وكذلك يقال في المسكين، فإن علة الاستحقاق لمال الزكاة هنا هي الفقر والمسكنة وتأليف القلب، فإذا زالت العلة زال الحكم، أي زال الاستحقاق. وعلى ذلك، فالقول بتعطيل النص، والاستدلال بعمر بن الخطاب على ذلك، ومن ثم الخروج بقاعدة تجيز تغيير الأحكام بتغير الزمان والمكان، ليس فيه أثارة من علم أو أمانة. قال الشيخ عبد القديم زلوم، رحمه الله: «وهؤلاء المؤلفة لا يُعْطَوْن من الصدقات؛ لأنها لا تعطى لكافر» ، ثم قال: «كما أنهم لا يُعطون إلا إذا كانت العلة التي أعطوا لأجلها موجودة، فإن انتفت العلة لم يُعْطَوْا، كما امتنع أبو بكر وعمر عن إعطائهم بعد أن عز الإسلام وانتشر» .
إضف إلى ذلك أن إنفاق الزكاة محصور في الأصناف الثمانية، وأن للخليفة قرار إعطاء الأصناف الثمانية جميعاً، أو إعطاء بعضهم دون بعض، على ذلك دلت السنة، فليس للمستدلين بفعل عمر رضي الله عنه أي شبهة من دليل على تغيير الأحكام بتغيُّر الزمان. قال الشيخ عبد القديم زلُّوم، رحمه الله: «والخليفة له صلاحية النظر في إعطائها لهذه الأصناف، حسبما يراه محققاً لمصلحة هذه الأصناف، كما كان رسول الله والخلفاء من بعده يقومون بذلك، ويجوز للخليفة أن يوزعها على الأصناف الثمانية، كما يجوز له أن يقتصر في إعطائها على بعض هذه الأصناف، حسب ما يرى فيه مصلحة لهذه الأصناف... عن ابن عباس قال عن الصدقة: «إذا وَضَعتهَا في صنف واحد من الأصناف الثمانية أجزأك». وكذلك قال عطاء والحسن. وعن مالك قال: «الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي، فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد، أوثِرَ ذلك الصنف، بقدر ما يرى الوالي»» . فهل في هذا أي تغيير للأحكام أو أنها هي هي، منذ زمن النبي ، وهل يظهر في هذا كله أي أثر لزمان أو مكان في الأحكام؟!
أما ما يقولون من عدم تقسيم عمر رضي الله عنه لأررض العراق، والشام، ومصر، فلا يخرج الأمر فيه عن المذكور أعلاه. ولكن الذين يستدلون به، ينقلون الحقائق ناقصةً ومشوهة. وبيان الأمر في هذا الفعل هو أن الشريعة قد دلت على أن توزيع الغنائم والفيء، والخراج قد جعله الله تعالى للخليفة، يتصرف فيه بما يحقق الأصلح للمسلمين، بحسب ما اقتضاه الشرع. وهذا حكم دائمي لا يتغير بزمان ولا بمكان. فجعل له الشرع أن يوزعها على المقاتلين، أو عليهم وعلى غيرهم، كلَّها أو بعضَها، جعل له أن يحبسها لغايةٍ من الغايات الشرعية، وجعل الشرع القرارَ في هذا لرأي الخليفة واجتهاده فيما يراه أصلح للمسلمين. وقد بين الشيخ عبد القديم زلوم هذا الأمر غاية البيان في كتابه (الأموال في دولة الخلافة). ومما قاله بعد تعريفه للأنفال والغنائم: «هذا هو واقع الأنفال والغنائم، وقد أناط الله سبحانه بولي أمر المسلمين صلاحية توزيعها، والتصرف بها. وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ وقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله﴾ ، كما جاء واضحاً من فعل الرسول في توزيع الغنائم، ومن فعل الخلفاء من بعده. فقد كان الرسول هو الذي يتولى توزيع الغنائم والتصرف بها، وكذلك كان الخلفاء، إما بأنفسهم أو بمن يوكلونهم عنهم في التوزيع وبذلك فإن خليفة المسلمين يكون هو صاحب الصلاحية، في توزيع الغنائم، والتصرف بها» . وفعل النبي هنا كان بوصفه حاكماً. وقال: «وتصرفات الرسول في الغنائم تبين أن أمرها موكول إلى أمر الإمام، يتصرف فيها بما يراه محققاً لمصلحة الإسلام والمسلمين» . وقال: «فكل هذه الآيات والتصرفات من الرسول ، والخلفاء من بعده، تبيِّن أن أمر الغنائم موكول إلى الإمام، يتصرف فيها بالذي يرى أنه خير للإسلام والمسلمين، فإن رأى أن يوزعها، أو يوزع شيئاً منها على المحاربين الذين اشتركوا في المعركة فعل، وإن رأى أن يضعها في بيت المال، لتضم إلى بقية الأموال، من الفيء، والجزية، والخراج، لينفق على مصالح المسلمين فعل...» . وحكم الفيء كحكم الغنائم، موكول إلى الخليفة، وهذه أحكام ثابتة لا تتغير، وما فعله عمر رضي الله عنه من عدم تقسيم أرض الفيء هو تطبيق لهذا الحكم الثابت. بل إن عمر رضي الله عنه عندما حاوره المقاتلون من الصحابة، طالبين توزيع الأرض عليهم، استدلَّ بنص من القرآن الكريم، مبيِّناً أن عدم توزيع هذه الأرض هو الأصلح للمسلمين. فعندما حاور الصحابةُ: بلالٌ، وعبدُ الرحمن، والزبيرُ عمرَ رضي الله عنهم في شأن هذه الأرض حيث إن عمر قد قال: «وقد رأيت أن أحبس الأَرَضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية، يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين، المقاتِلة، والذرية، ولمن يأتي بعدهم» قالوا له: «أَتَقِفُ ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا، ولأبناء القوم، ولأبناء أبنائهم ولم يحضروا» فاحتج عليهم بالآيات من سورة الحشر: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾ الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾ الآية. وقال: «فإن هذه قد استوعبت جميع الناس إلى يوم القيامة، وإن ما من أحد من المسلمين إلا وله في هذا الفيء حق ونصيب»، فوافقوه على رأيه وقالوا جميعاً: الرأيُ رأيُك فنعمَ ما قلتَ وما رأيت...» وهكذا ففعل عمر رضي الله عنه هو عين التطبيق للنصوص، ولم يخالف أي نص، ولا شأن في ذلك لزمان أو مكان.
وقبل اختتام هذه المقالة ينبغي التنبيه إلى أمر وهو أن فعل أي من الخلفاء الراشدين، وفعل أي صحابي إذا كان مما يشتهر ويعلم، إذا عارض نصاً شرعياً، ولم يُنْكَر، أو يُعارَض، من قِبَل أي صحابي، فإنه لا يتأتى الزعم بأنه تعطيل للنص، وأنه يجوز تعطيل النص للمصلحة بناء على ذلك، لا يتأتى هذا الزعم؛ لأن ذلك الفعل المعارضَ يكون حينئذٍ فعلاً شرعياً، بدليل إجماع الصحابة، أي إن ذلك الفعل له دليل شرعي، لأن إجماع الصحابة دليل شرعي، وهو أحد الأدلة الأربعة، التي هي مصادر التشريع، يُستدل به على الأحكام، وتُخَصَّص به النصوص. وإجماع الصحابة يكشف عن دليل شرعي، سواء أكان موجوداً وعلمناه، أو كان موجوداً ولم نعلمه، أو لم يصلنا أصلاً.
والنبي يقول: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» رواه أبو داود وأحمد وغيرهما.
وعلى ذلك فمن يحتج بهكذا قول أو فعل، سواء لعمر أو لأي صحابي، على جواز تعطيل نص شرعي، قطعياً كان أو ظنياً، أو تخصيصِهِ، أو تقييدِه، بمجرد الرأي، أو بمصلحة مرتآة، فكلامه مردود، وهو لا يفهم عملية الاستنباط، ويكون ليس من أهل الاستنباط والفتوى. ومثل هذا القول يتناقض مع حقيقة أن التشريع الإسلامي محيط بالحوادث، ومصدره الوحي .
اختلاف الأحكام باختلاف معاني الألفاظ والأفعال والنيات والعادات والأعراف:
لا يختلف ما ذهب إليه الإمامان القرافي وابن عابدين عما ذهب إليه ابن القيم، في أن الأحكام المتعلقة بأقوال الناس وألفا ظهم تختلف إذا اختلفت معاني هذه الأقوال والألفاظ. فقد تكون الألفاظ واحدةً، ولكن معناها عند قوم يختلف عن معناها عند غيرهم، وقد يكون للَّفظ معنىً في اللغة، ومعنىً آخر في الاصطلاح، أو في العرف الاستعمالي. وقد يعتمد المعنى على قرائن الأحوال التي قد تختلف دلالاتها بين قوم وغيرهم، وقد يعتمد على النيَّة. فإذ اختلفت معاني الألفاظ والجُمل، فإن الأحكام التي كانت هذه المعاني مناطاً لها تختلف تبعاً لذلك. وهذا يدخل في ألفاظ النكاح، والطلاق، والعتاق، والنذور، والأيْمان، وسائر العقود، وفي الأفعال التي تصبح ملازمة عند بعض الناس لأفعالٍ غيرها، أو ذات دلالة على مقاصد أو معانٍ معينة. كدلالة لباس معين على الزفاف، وغيره على الحداد، وآخر على أن لابسه طبيب، أو جندي، أو شرطي...
وهذا الاختلاف لا علاقة له بزمان أو مكان، وليس هو تغيراً في الأحكام، فالحكم الشرعي هو «خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد»، فإذا اختلف الفعل اختلف حكمه، والفعل الواحد حكمه واحد، وثابت في كل زمان ومكان. وإذا كان الفعل قولاً، فإن الأقوال إنما وضعت لأجل معانيها، فإذا اختلفت معانيها، فإن هذا يعني أن الفعل – الذي هو قول – قد اختلف، وبالتالي فإن الحكم يختلف تبعاً لاختلاف الفعل، شأنه شأن سائر الأحكام مع سائر الأفعال. وكذلك إذا كان للفعل دلالة عند قوم على معنى معين مختلف ٍ عن دلالته عند غيرهم، فإن اختلاف الحكم هنا لا علاقة له بزمان أو مكان، وإنما سببه اختلاف الفعل. فعلى سبيل المثال، اللباس الذي يختص به الطبيب هو في الأصل جائز، وجائز لأيٍ كان. ولما ارتبط هذا اللباس بمعنىً معين وهو أن لابسه طبيب، صار إذا لبسه غير الطبيب، ليوحي للناس أنه طبيب، حراماً، وليس ذلك من باب تحريم المباح، وإنما من باب تحريم الغش والخديعة، وهو حكم عام وثابت ولا صلة للأمر بزمان أو مكان.
وكمثال آخر: حمل الحقيبة للرجل أو المرأة أمر جائز، واتخاذ أحذية معينة أمر جائز لهما أيضاً. ولما اختص، من هذه المباحات، حقائب ذات شكل معين، وأحذية ذات شكل معين، للمرأة، وأخرى للرجل، صار اتخاذ الرجل لما اختص بالمرأة واتخاذ المرأة لما اختص بالرجل، دالاًّ على معنى معين حرمه الشرع، وهو تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال. فتحريم هذا الأمر ليس تغيراً في الأحكام، وإنما هو عين الثبات، فتحريم التشبه المذكور حكم عامّ وثابت.
ومثل ذلك يقال في الأحكام المتعلقة بالأقوال أو بالنيات والقصود، فهي ثابتة بثبات معاني الأقوال، وثبات النيات والقصود.
وفيما يلي بعض أقوال القرافي وابن عابدين في هذا الأمر، ما يؤكد أن الاستناد إليها في زعم تغير الأحكام بتغير الزمان أو المكان، وبتعبير آخر: تطوير الأحكام، هو استناد باطل في زعم باطل.
رأي القرافي:
أما القرافي، رحمه الله، فهو يبيِّن مراده بوضوح في كتابه (الفروق) عند الفرق الثامن والعشرين: «بين قاعدة العرف القولي يُقضى به على الألفاظ ويخصِّصُها، وبين قاعدة العرف الفعلي يُقضى به على الألفاظ ولا يخصِّصُها». ويأتي بأمثلة على ذلك، نذكر منها اثنين. يقول: «إذا فرضنا مَلِكاً عجمياً يتكلم بالعجمية، وهو يعرف اللغة العربية، غير أنه لا يتكلم بها لِثِقَلها عليه، فحلف لا يلبس ثوباً، ولا يأكل خبزاً، وكان حلفه بها بالألفاظ العربية التي لم تجرِ عادته في استعمالها، وعادته في غذائه، لا يأكل إلا خبز الشعير، ولا يلبس إلا ثياب قطن، فإنا نُحَنِّثُه بأي ثوب لبسه، وبأي خبز أكله، سواء أكان من معتاده في فعله أم لا، وهذا إذا لم تجرِ له عادة باستعمال اللغة العربية؛ لأنه لو كانت عادته استعمال اللغة العربية لكان طول أيامه يقول: أكلت خبزاً، وائتوني بخبز، وعجِّلوا بالخبز، والخبز على المائدة قليل، ونحو ذلك، لا يريد في ذلك كله إلا خبز الشعير الذي جرت عادته به، فيصير له في لفظ عرفٌ الخبز قولي ناسخ للغة، فلا نُحَنِّثُه بغير خبز الشعير، وكذلك القول في ثوب القطن، بخلاف ما إذا كان لا ينطق بلفظ الخبز والثوب إلا على الندرة، فإنه لا يكون له في الألفاظ اللغوية عرفٌ مخصِّصٌ يقدَّم على اللغة، فيحنث بعموم المسميات اللغوية، من غير تخصيص ولا تقييد، فتأمَّل ذلك» . فههنا يبيِّن القرافي حكمَيْن مختلفين في الأَيْمان، والاختلاف فيهما راجع إلى أمرين: أحدهما: دلالة اللفظ، هل هو على عموم أنواع الخبز وعموم أنواع الثياب، أو على خصوص نوعٍ معين من كلٍّ منهما. والثاني: قصد الحالف باللفظ، هل هو على الأنواع أو على أنواع معينة منها. ولا مدخل هنا للقول بزمان أو مكان وإنما المعنى هو أن اللفظ إذا كان عاماً يشترك في مدلوله كثيرون، ويَحْتَمِلُ أن يُراد به الخصوص، فدلالته على العموم أو الخصوص تعتمد على نية صاحب اليمين. وهذه قاعدة عامة وثابتة عند القرافي. واختلاف الحكم عنده، في كون الحالف يحنث في الحالة الأولى، ولا يحنث في الثانية، لا يرجع إلى زمان أو مكان، وإنما هو راجع إلى كون لفظ الخبز أو الثوب عامّاً، والحالف لم يَنْوِ قصره على خبز الشعير وحده أو على القطن.
ويقول القرافي في مثالٍ آخر: «إذا حلف لا يأكل رؤوساً، يحنث بجميع الرؤوس عند ابن القاسم، ولا يحنث إلا برؤوس الأنعام عند أشهب. والقولان مبنيان على أن أهل العرف قد نقلوا هذا اللفظ: أكلت رؤوساً، لأكل رؤوس الأنعام دون غيرها، بسبب كثرة استعمالهم لذلك المرَكَّب في هذا النوع خاصة دون بقية أنواع الرؤوس. فهذا مدرك أشهب فيقدَّم النقل العرفي على الوضع اللغوي.وابن القاسم يسلِّم استعمال أهل العرف لذلك، ولكن لم يصل الاستعمال عنده إلى هذه الغاية الموجبة للنقل، فإن الغلبة قد تقصر عن النقل» .
ففي هذا المثال أيضاً، قد يحنث الحالف إذا أطلق يمينه: لا أكلت رؤوساً، وقد لا يحنث، وهذا يعتمد على المعنى الأغلب لهذا اللفظ المركب. وهو لا يحنث إلا برؤوس الأنعام عند أشهب، ويحنث برأس عصفور عند ابن القاسم، واختلافهما في هذه المسألة يرجع إلى اختلافهما في تحقيق مناط الحكم. قال القرافي: «فاتفق أشهب وابن القاسم على أن النقل العرفي مقدَّم على اللغة إذا وُجِد، واختلفا في وجوده هنا، فالكلام بينهما في تحقيق المناط» .
وخلاصة الأمر في هذا عند القرافي أن الأحكام التي علّقها الشارع على دلالات الألفاظ، وعلى النيات، تتغير بحسب هذه الدلالات والنيات؛ لأن الألفاظ والنيات هي مناطاتها.
ومن أراد الاستزادة مما عند القرافي في هذا الأمر فلينظر إلى الفرق التاسع والعشرين عنده، وهو في الفرق بين النية المخصِّصة والنية المؤكدة، حيث يقول: هذا الفرق أيضاً ذهب عنه كل من يفتي من أهل العصر، فلا يكادون يتعرضون عند الفتاوى للفرق بينهما، فإذا جاءهم حالف وقال: حلفت لا لبست ثوباً، ونويت الكتان، يقولون له: لا تحنث بغير الكتان، وهو خطأ بالإجماع، وكذلك بقية النظائر. وطريق كشف الغطاء عن ذلك أن تقول: إن المطلِقَ إذا أطلق اللفظ العام، ونوى جميع أفراده بيمينه، حَنَّثْناه بكل فرد من ذلك العموم لوجود اللفظ فيه، ولوجود النية، والنية هنا مؤكدة لصيغة العموم. وإن أطلق اللفظ العام من غير نيةٍ، ولا بساطٍ ، ولا عادةٍ صارفةٍ، حَنَّثْناه بكل فرد من أفراد العموم، للوضع الصريح في ذلك، وإن أطلق اللفظ العام، ونوى بعضها باليمين، وغفل عن البعض الآخر، لم يتعرض له بنفيٍ، ولا إثباتٍ، حَنَّثْناه بالبعض المنوي باللفظ، والنية المؤكدة، وبالبعض الآخر باللفظ، فإنه مستقل بالحكم، غير محتاج، إلى النية، لصراحته، والصريح لا يحتاج إلى غيره. وإن أطلق اللفظ العام وقال: نويت إخراج بعض أنواعه عن اليمين قلنا: لا يحنث بذلك البعض المٌخْرَج؛ لأن نيته مخصصة لعموم لفظه، بخلاف نيته الأولى وهي أن يقصد بعض الأنواع باليمين، ويغفل عن غيره» .
وهكذا فإن اختلاف هذه الأحكام بحسب دلالات الألفاظ، أو النيات، يتبع قواعد ثابتة، وهو عين ثبات الأحكام.
رأي ابن عابدين:
ولا يختلف ما ذهب إليه ابن عابدين، رحمه الله، عما سبق في هذا الأمر، وأنه لا يخرج عن أعراف الناس في معاني الألفاظ، وعن عاداتهم في إطلاق الألفاظ والتراكيب وفي فهمها، وعن دلالة أو ملازمة بعض الأفعال لبعض المعاني. وفيما يلي بعض أقواله للبيان والتأكيد.
يقول رحمه الله تحت عنوان: (الأَيْمانُ مبنية على العُرف): «لأن المتكلِّم إنما يتكلم بالكلام العربي، أعني الألفاظ التي يراد بها معانيها التي وُضعت لها في العُرف، كما أن العربي حال كونه بين أهل اللغة إنما يتكلم بالحقائق اللغوية، فوجب صرف ألفاظ المتكلم إلى ما عهد أنه المراد بها» .
وقال تحت عنوان: (مبحث مهم في تحقيق قولهم: «الأَيْمان مبنيَّة على الألفاظ لا على الأغراض): أي الألفاظ العرفية ... واحترز بها عن القول ببنائها على عرف اللغة أو عرف القرآن، ففي حلفه لا يركب دابَّةً ولا يجلس على وَتَد، لا يحنثُ بركوبه إنساناً، وجلوسه على جبل، وإن كان الأول في عرف اللغة دابَّةً والثاني في القرآن وتداً، وقوله: لا على الأغراض، أي المقاصد والنيات، احترز به عن القول ببنائها على النية» . ثم قال: «إن اللفظ إذا كان عاماً يجوز تخصيصه بالعُرف، كما لو حلف لا يأكل رأساً، فإنه في العرف اسم لما يكبس في التنور، ويباع في الأسواق، وهو رأس الغنم دون رأس العصفور ونحوه، فالغرض العرفي يخصص عمومه، فإذا أطلق ينصرف إلى المتعارف» .
ويقول تحت عنوان: (مطلب في اعتبار العرف العملي كالعرف اللفظي): «ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة، لا يحنث بالركوب على إنسان، للعرف اللفظي، فإن اللفظ، عرفاً، لا يتناول إلا الكراع، وإن كان في اللغة يتناوله، ولو حلف لا يركب حيواناً، يحنث بالركوب على إنسان؛ لأن اللفظ يتناول جميع الحيوانات، والعرفُ العملي، وهو أنه لا يُركب عادةً، لا يصلح مُقَيِّداً» . ثم ذكر الخلاف في مسألة الحنث، إذا حلف لا يركب حيواناً، وأن الخلاف راجع إلى العرف العملي، هل هو مخصص كالعرف القولي أو لا، ثم ذكر أمثلة منها: «وقد سُئلتُ لو أن بدوياً اعتاد أكل خبز الشعير، فدخل بلدةً، المعتاد « فيها أكل خبز الحنطة، واستمرَّ هو لا يأكل إلا الشعير، فحلف لا يأكل خبزاً، فقلت: ينعقد على عرف نفسه، فيحنث بالشعير؛ لأنه لم ينعقد على عرف الناس، إلا إذا كان الحالف يتعاطاه، فهو متهم فيه، فيُصرف كلامه إليه لذلك، وهذا منتفٍ فيمن لم يوافقهم، بل هو مجانب لهم» .
فهذه المطالب التي يذكرها ابن عابدين، والأمثلة التي يذكرها، على تأثير العرف والعادة في الحكم الشرعي، لا يخرج معناها عن العرف والعادة في استعمال الألفاظ والجمل، للدلالة على مقاصدهم، ولفهم الأقوال، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بالزمان أو المكان، ولا بالعادات أو الأعراف، في استحسان الأقوال أو استقباحها، أو في عَدِّها من المقبول أو المرفوض، أو من الممدوح أو المذموم.
ومما يزيد الأمر بياناً وتأكيداً، الأمثلة التي أتى بها ابن عابدين تحت عنوان: (اليمين تتخصص بدلالة العرف والعادة)، ومنها: «رجلٌ حلَّف رجلاً أن يطيعه في كل ما يأمره، وينهاه عنه، ثم نهاه عن جماع امرأته، لا يحنث، إن لم يكن هناك سبب يدل عليه، لأن الناس لا يريدون، بهذا، النهيَ عن جماع امرأته عادةً كما لا يراد به النهي عن الأكل والشرب» . ومنها: «اتهمته امرأته بجاريةٍ، فحلف لا يمسها، انصرف إلى المس الذي تكره المرأة. وكذا لو قال: إن وضعت يدي على جاريتي فهي حرَّة، فضربها، ووضع يده عليها، لا يحنث إن كانت يمينه لأجل المرأة ، ولأمر يدل على أنه يريد الوضع لغير الضرب» . ومن الأمثلة على المراد بالعرف والعادة قوله: «ومثله فيما يظهر ما ذكره بعض محققي الحنابلة: قال لزوجته: إن قلتِ لي كلاماً، ولم أقل لك مثله، فأنت طالق. فقالت له: أنت طالق، ولم يقل لها مثله، من أنها لا تطلق؛ لأن كلام الزوج مخصص فيما كان سباً، أو دعاءً، أو نحوه، إذ ليس مراده أنها لو قالت: إشتر لي ثوباً، أن يقول لها مثله، بل أراد الكلام الذي كان سبب حلفه» .
ويذكر ابن عابدين أمثلة على تخصيص العام بالنية، وعلى الأيمان، والطلاق، والعتاق، والعقود وسائر التصرفات، وكلها لا تخرج عن المذكور آنفاً عنه وعن القرافي. بهذه المعاني – المذكورة أعلاه– تحدَّثَ بعض أئمة الفقه عن العرف والعادة، وبهذا الخصوص، وبهذه الحدود، وضعوا بعض القواعد، فإذا لم تؤخذ موضوعاتها، وحقيقة معانيها، ومواضع تطبيقها، بل أطلقت وعُمِّمَت، حصل الانحراف والتحريف.
الرأي في مجلة الأحكام العدلية:
بهذه المعاني الخاصة جاءت بعض القواعد الشرعية مثل: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً» و «المعروف بين التجار كالمشروط بينهم» و «التعيين بالعرف كالتعيين بالنص» . وهي قواعد ذكرتها مجلة الأحكام العدلية، وجاء في شرحها ما يدل على خصوص معانيها، ومواضع تطبيقها. وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك، ما يؤكد أن التذرع بمثل هذه القواعد، وربط تغيير الأحكام بالزمان والمكان، ونسبة ذلك إلى الفقهاء وإلى مجلة الأحكام العدلية، وتعميمها، وعدم قصرها على مواضعها الخاصة، هو من الجهل، إن لم يكن تضليلاً وتحريفاً.
جاء في المجلة: (المادة 39: لا يُنْكَر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان). وجاء في شرحها: «والمراد أن الأحكام المبنية على العرف والعادة، لا على النص والدليل، تتبدل مع تبدل العرف والعوائد». إذن، شرح القاعدة يذكر أن الأمر قاصر على الأحكام التي جعل الشرع مناطها العرف والعادة، وهذا فيما أباحه الشرع من عرفٍ أو عادةٍ، وكان نص الإباحة فيها عاماً في أفعال كثيرة قد يصير أي منها عادةً. وجاء أيضاً في شرح هذه المادة في المجلة: «فإنه كان عند الفقهاء المتقدمين، إذا أحدٌ اشترى داراً، ورأى أحد بيوتها، سقط خيار رؤيته، وذلك لأن حجر الدور في عهدهم كانت تبنى على نمط واحد، فلما تبدلت الأعصار، وصارت بيوت المنازل تبنى على نسقٍ مختلف بالشكل والقدر، صار لا بد من رؤية حجر الدار كلها كي يسقط خيار الرؤية». إذن، الحكم، وهو خيار الرؤية، عامٌ وثابت. وقد كانت رؤية غرفة واحدة تدل على ما لم يُرَ، ثم صارت رؤية غرفة واحدة لا تدل على ما لم يُرَ، فهل هذا تغير في الحكم بناء على عرفٍ أو زمان، أو أن التغير هو في الواقع الذي جاء له الحكم.
وجاء في المجلة: (المادة 40: الحقيقة تترك بدلالة العادة). وجاء في الشرح: «لو قال الرجل لخادمه: أشعل الفنار، كان عليه أن يشعل الشمعة التي في الفنار، ولو أشعله فاحترق ضَمِنَ لأن مفهوم كلام الآمر بحسب ا

قادر

المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى