بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
ديسمبر 2018
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية


النظام السعودي في ميزان الاسلام -4- رفع شعائر الإسلام

اذهب الى الأسفل

النظام السعودي في ميزان الاسلام -4- رفع شعائر الإسلام

مُساهمة من طرف القادسية في الجمعة أكتوبر 09, 2009 8:35 pm


النظام السعودي في ميزان الاسلام
-4-

رفع شعائر الاسلام
من المسلمات الشرعية أن المسلمين أفراداً وجماعات ودولة يجب أن يسعوا لإعزاز الإسلام ورفع شعائره، ولكن قبل تقويم أداء النظام في هذا الجانب لابد من التأصيل الشرعي العام لهذه القضية.

أولاً : ثبت بالكتاب والسنة أن التمكين للإسلام، ورفع كلمة الله وإقامة شعائر الإسلام وإظهارها واجب شرعي على من تولى أمر المسلمين، قال تعالى "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" (الحج، 41)، نقل القرطبي عن الضحاك في تفسير هذه الآية قوله: (... هو شرط شرطه الله عز وجل على من آتاه الله الملك ...)(1)، وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: (...جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله، فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لذلك وذلك هو الخير والبر والتقوى ...)(2)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها)(3)، وقال إمام الحرمين الجويني (الغرض ـ من الإمامة ـ استيفاء قواعد الإسلام طوعاً أو كرها،ً والمقصد الدين)(4)، وقال الماوردي رحمه الله: (... الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ...)(5)، وهكذا فإن الغرض الأول الذي شرعت من أجله الإمامة هو تحقيق الدين على مستوى المجتمع والدولة.

ثانياً : ثبت بالكتاب والسنة أن رفع شعائر الإسلام والتمكين لدين الله لا يتحصل إلا بقيام الولاة بالأمر بالمعروف "كل معروف"، والنهي عن المنكر "كل منكر"، ولذا صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناه الشامل واجباً منوطاً بولي الأمر، إذا قصّر فيه قصّر عن شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وإذا نقضه نقض مقصود الإمامة في الإسلام، قال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (آل عمران110،)، وقال: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" (الحج، 41)، وقال تعالى:

"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (التوبة، 71)، والإمام وكيل أو نائب عن الأمة في تحقيق عهد المؤمنين مع الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك بشكل واضح وصريح فقال:

(... جميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...)(6)، وقد نقل ابن القيم عبارة الشيخ ابن تيمية تقريباً بقوله: (... وجميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...)(7)، وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله: (... ومما يجب على ولي الأمر تفقد الناس من الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بإزالة أسبابها، وكذلك بخس الكيل والميزان والربا ...)(، قال شيخ الإسلام في حديثه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

(... هذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية، يصير فرض عين على القادر الذي لم يتم به غيره، والقدرة هي السلطان والولاية، فذوو السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم ...)(9).

ثالثاً: ثبت بالكتاب والسنة كذلك أن تعطيل هذه الشعائر وإنعاش الباطل، وإضعاف الحق سبب في الهلاك والدمار والعذاب الدنيوي، فضلاً عن الإثم المترتب على ذلك، قال تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً" (الإسراء، 16)، قال القرطبي في تفسيرها (وقيل أمّرنا: جعلناهم أمراء لأن العرب تقول: أمير غير مأمور أي غير مؤمّر، فإذا أراد (الله) إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قال تعالى أمر مترفيها بالفسق والظلم فحق عليها القول بالتدمير ...)(10)، وقد تضافرت الأحاديث النبوية في هذا المعنى فمنها ما رواه الترمذي وأبي داود عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما وقع النقص في بني إسرائيل، كان الرجل منهم يرى أخاه يقع على الذنب، فينهاه عنه، فإذا كان الغد، لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن، فقال: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانو يعتدون" (المائدة، 78) وقرأ حتى بلغ "ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون”" (المائدة، 78-81)(11).

وعن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه قال، قال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه: (يا أيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" (المائدة، 105)، وإنما سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب”، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيّروا ولا يغيّرون، إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب”)(12)، وعن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيّروا عليه ولا يغيّرون، إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا”(13)، وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم”(14).

فهذه الأدلة وغيرها كثير دليل قاطع على أن تقصير الأمة ممثلة في نوابها وعلى رأسهم الحاكم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب مباشر في حلول العـــذاب الدنيوي، فضلاً عن الإثم والسيئات، فكيف إذا كان الحال أكثر من مجرد تقصير، بل أمر بالمنكر ونهي عن المعروف، وإشاعة للفاحشة، ودفاع عن الباطل، وحرب للدعوة.

رابعاً: نص العلماء على أن الطائفة الممتنعة التي تصر على تعطيل الشرائع الثابتة، أو استحلال الحرام الثابت الذي لا عذر لأحد فيه تعامل معاملة مانعي الزكاة الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه، ليس لإنكارهم النبوة ولا القرآن ولا حتى لتركهم الصلاة، بل لمجرد تعطيل تلك الشعائر الثابتة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (... وأيما طائفة ممتنعة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت عن بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله ...)(15)، ويقول في موضع آخر: (... فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج، أو التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها ...)(16)، وتأمل قوله "أو التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا"، وأين يقع الربا في ذلك، وتأمل قوله كذلك "وإن كانت مقرة بها"، فلا يكفي الإقرار بل لابد من التطبيق.

وبعد هذا الاستعراض لما يفرضه الإسلام على الدولة من إقامة الشعائر، والتمكين للدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخطر تعطيل ذلك على المجتمع، فكيف كان إنجاز النظام السعودي في هذا الجانب؟ وكيف يمكن تقويمه من هذا المنطلق؟ وعلى الذين يحرصون على إصابة الحق في معتقدهم وعملهم، أن يتأملوا الأمر بحنكة وفطنة، ويتخلوا عن السذاجات والتبسيط وخداع النفس ويقبلوا بحقائق الأمور ولا تغرهم الدعاوى والافتراءات.

الواقع:

عند النظر إلى النظام السعودي الحالي بهذه الطريقة فإن المتأمل يخرج باستنتاج غريب مؤدّاه أن ذلك النظام لم يقصر في ذلك الواجب الشرعي الذي من أجله شرعت الإمامة في الإسلام، بل نقضه نقضاً وعمل على خلافه، ولقد تبين أن تعامل النظام مع قضية التمكين لدين الله في الأرض وإظهار الشعائر والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبارة عن خطة كاملة واستراتيجية عريضة، مؤداها مسخ هذا المجتمع، وبتر الأمة عن إرثها الديني العظيم، وتحويل المسلمين إلى مجرد أفراد من المسلمين كلٌّ دينه بينه وبين ربه، ونزع الجانب الاجتماعي، وجانب الدولة عن الإسلام على الأقل من الناحية العملية، وإليك بعض النماذج لواقع الشعائر الإسلامية في النظام السعودي الحالي:

النموذج الأول: شعيرة الجهاد، والحد الأدنى منها الذي تعتبر بعده معطلةً تعطيلاً كاملاً هو حماية البيضة وتحصين الثغور، حتى يكون المسلمون في أمن على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، قال الماوردي في تعداده لمسؤوليات الإمام: (... الثالث: حماية البيضة، والذب عن الحريم لتتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال ...)(17)، وقال إمام الحرمين: (... وأما اعتناء الإمام بسد الثغور فهو من أهم الأمور وذلك بأن يحصن أساس الحصون والقلاع ـ إلى قوله ـ ويرتب على كل ثغر من الرجال ما يليق به...)(18)، ومن المعلوم من الدين بالضرورة وجوب الجهاد وتحقيق أدنى درجاته بما ذكر من حماية الببضة وتحصين الثغور ولاشك أن الإضعاف المتعمد للجيش، وانكشاف البلد أمام الأعداء، والاعتماد الكامل في حماية البلاد على أعداء الإسلام واستقدام قواتهم وتمكينها من ثغور المسلمين وقرب الحرمين، بل جعل الاعتماد على هؤلاء والاحتماء بهم أمراً عادياً والاعتراف به صراحة أمام الناس، وعقد المعاهدات من أجله هو تعطيل صريح ونقض كامل لأدنى مراتب تلك الشعيرة العظيمة، وعندما انكشفت تلك الجريمة النكراء في حرب الخليج الثانية، توقع البعض ممن أحسن الظن بأن الوضع سيصلح، لكن الذي حدث هو التأكيد على هذا الواقع، من خلال بقاء جيوش اليهود والنصارى "قوات الحماية" في بلاد المسلمين، والتوقيع على مزيد من المعاهدات في ذلك مما أوقع جزيرة العرب ومهد الإسلام في احتلال كامل، ولا نزيد تعليقاً على اعتبار هذا الوضع مما ينطبق عليه كلام ابن تيمية في وصف الطوائف الممتنعة، حيث اعتبر رحمه الله مجرد التوقف عن جباية الجزية من تعطيل الشعائر فكيف بما ذكر.

النموذج الثاني: من الشعائر المعطلة بشكل صريح شعيرة تحريم الربا الذي ثبت تحريمه قطعياً في الكتاب والسنة وأصبح تحريمه من المعلوم من الدين بالضرورة، بل نص القرآن على أنه حرب لله ورسوله قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" (البقرة، 279)، وقد ثبت في الحديث أن تحريم الربا أعظم من تحريم ما يستعظمه الناس وهو الزنا، ومع كل ذلك التحريم ومع أنه حرب لله ورسوله، فقد أصر الحكام ليس على مجرد السماح للربا علناً ـ وهو بحد ذاته جريمة كبرى ـ بل لقد اعتبروه أساس التعامل الاقتصادي داخل البلاد وخارجها، ودعموا كل المؤسسات الربوية قانوناً ونظاماً، بل وحتى بالمال حيث أنقذت الدولة بقوتها المالية البنوك أكثر من مرة حين أوشكت على الإفلاس، ولم تكتف الدولة بذلك بل منعت رسمياً وبسلطتها إنشاء المصارف الإسلامية، ومنعت نشر فتاوى العلماء حول البنوك الربوية، ومنعت الأحاديث والإعلانات التي تؤيد المصارف الإسلامية، حتى الموجودة منها في بلاد الكفر، فهل يشك أحد بعد ذلك أن شعيرة تحريم الربا معطلة في بلاد الحرمين. نعود ونذكر بحديث شيخ الإسلام ابن تيمية عن الطوائف الممتنعة، واعتباره مجرد الإقرار بالوجوب أو التحريم لا يمنع من انطباق الوصف عليها بتعطيل الشعيرة وما يترتب شرعاً على ذلك(19).

النموذج الثالث: للشعائر المعطلة أو المنقوضة هو شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمقصود الشرعي بذلك ليس ما يسمى في بلادنا بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو قيام الدولة من خلال سلطتها على جميع المستويات بنشر الدعوة والأمر بالمعروف وحمايتهما، ومنع المنكرات كما في كلام ابن تيمية رحمه الله فيما سبق(20)، ولربما تبين لطالب الحق أن الدولة لم تقصر في تلك الشعيرة فحسب، بل لقد سعت ضدها فأمرت بالمنكر، ونهت عن المعروف، وحاربت الدعوة، ولو تأمل المرء طريقة الدولة في التعامل مع الدعوة لاكتشف أن تعاملها عبارة عن برنامج متكامل شبيه ببرامج "تجفيف المنابع" المنفذة في بعض دول شمال أفريقيا، وفي هذا البرنامج سعت الدولة لسد كل المنافذ التي يمكن أن تصل بها كلمة الحق والمعروف إلى الناس، وتسهيل كل الطرق التي يصل بها الباطل والمنكر إلى الناس.

ففي المجال الأول ضيقت الدولة على الدعاة فجعلت الحديث إلى الناس سواء في المسجد أو في المنتديات العامة ممنوعاً إلا بإذن، واستخدم هذا النظام في منع عدد كبير من الدعاة المخلصين، وفي نفس الاتجاه فصلت الدولة عدداً كبيراً من الخطباء والعلماء والدعاة من المساجد، بل وحتى من الجامعات، رغم أن بعضهم لا يتجاوز حديثه الإيمانيات، ثم استكملت الدولة تلك الخطوة باعتقال عدد كبير من العلماء والدعاة ومئات من أتباعهم، وغيّبتهم خلف القضبان بل وعرّضت بعضهم للعذاب، وحرمت الأمة من مجرد رؤيتهم ومقابلتهم، هذا فيما يخص الدعاة والعاملين للإسلام من داخل البلاد، أما فيما يخص من هم خارج البلاد فقد كانت بلاد الحرمين إلى عهد قريب ملاذاً للذين يهربون من الطغاة والظالمين، وأما الآن فقد أصبح من دواعي منع الحصول على تأشيرة لدخول البلد وحتى الحج والعمرة هو الانخراط في نشاط إسلامي سياسي، وأدهى من ذلك جرماً تسليم من يلوذ بالحرم لحكوماتهم لقتلهم والتنكيل بهم، وأما في سياق الحرب على الدعوة، فقد فرضت الدولة حصاراً شديداً على الشريط الإسلامي بإقفال عدد كبير من محلات التسجيلات الإسلامية ومنعت عدداً كبيراً من الأشرطة، وفرضت عقوبات صارمة على من يخالف ذلك، وفي نفس الميدان منعت المجلات الإسلامية بالكامل تقريباً ، ومُنِع الإسلاميون من التحدث إلى الأمة من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، إلا من يلتزم في حدود العبادات الفردية، ومُنع الإسلاميون كذلك من الوصول إلى أي منصب سياسي أو عسكري أو أمني أو تعليمي حساس، وتدخلت الدولة حتى في تعيين عمداء الكليات ورؤساء الأقسام سعياً لمنع الإسلاميين من نشر الخير ورفع لواء الدعوة، ولنفس الغرض وهو حصار الدعوة فقد نفذت حديثاً سياسة إيقاف كل الأنشطة المالية حتى الخيرية، وأقفلت جميع المبرات والمؤسسات الخيرية، وسعت الدولة وبكل قوة لمنع أي شكل من أشكال التجمع لهدف التعاون على البر والتقوى، وتعاملت مع ذلك بكل قسوة وعنف، والمطلع على تفاصيل تنفيذ هذه الخطة يخرج بقناعة أن المقصود منها هو الإسلام ذاته، وليس مجرد الانزعاج من شيخ أو عالم دأب على انتقاد الحكام، وهذه قصة ما يسمى بـ"شارع الموت" التي تجسّد فيها مفهوم حرب الدولة للإسلام ذاته، وليس لمن ينتقد الحكام، فقبل بضع سنوات لاحظ عدد من الدعاة والغيورين على الإسلام تجمعات من الشباب المنحرف خارج مدينة الرياض تجتمع للعب بالسيارات، وتداول المخدرات واللواط وغيره، فسعى أولئك الدعاة لإقامة مخيم قريب منهم، ودعوهم بأساليب غاية في الرقة والترغيب، ولم تمض أيام حتى استقطبت تلك الفكرة آلاف من أولئك الشباب المنحرف، وبدأوا يتحولون إلى شباب صالح، ولكن لم تبدأ الفكرة بالانتعاش حتى داهمت قوات الأمن المخيم، وتم تكسيره وطرد المجتمعين بحجة عدم وجود إذن له، فلم ييأس الدعاة وسعوا إلى استصدار إذن شخصي من الشيخ بن باز، وأعادوا تأسيس المخيم، ولم يمض يومان حتى داهمتهم قوات الأمن وحطمت المخيم مرة أخرى، واعتقل الشخص الذي سعى لاستصدار إذن من الشيخ بن باز، ولم يُفرج عنه إلا بعد تعهد بعدم تكرار ما عمل، فبالله عليكم أليس هذا دليلاً على حرب الدعوة ذاتها والسعي في نشر الباطل بكل أشكاله؟؟.

وفي مقابل حصار الدعوة سعت الدولة حثيثاً لتخريب المجتمع بكل وسائل التخريب ففي الإعلام التخريب الفكري والتخريب الأخلاقي، وخروجاً من الحرج في نشر الرذيلة والانحراف الفكري والخلقي في وسائل الإعلام الرسمية، فقد صدّرت الدولة وسائل إعلامها إلى الخارج لتبث السموم من هناك، وفي مجال السماح لأعداء الإسلام والمنحرفين فكرياً وخلقياً والتمكين لهم، فقد استحوذ هؤلاء على معظم المناصب والأماكن الحساسة في البلد، بل لقد أصبح من ضرورات توظيف الإنسان في مركز حساس أن يثبت عدم التزامه الشرعي، حيث تحول الالتزام الشرعي إلى صفة قادحة فيمن يستلم تلك المسؤوليات، وفي الوقت الذي مُنِع فيه المصلحون عن مخاطبة الأمة، فقد فتح الباب على مصراعيه للمفسدين في وسائل الإعلام، ففي الوقت الذي تمنع فيه المجلات الإسلامية، سمح للمجلات الهابطة والساقطة بغزو البلد وتخريبه، وكذلك الحال بالنسبة للتسجيلات الإسلامية، ومحلات الفيديو، بل لقد دعمت الدولة من خلال المتنفذين من الأمراء وحاشيتهم كل أشكال الفساد من دعارة وخلاعة ومخدرات وخمر ولواط وتحلل وانحراف بل وحمت أصحابها من كل أشكال العقاب، والحكايات في هذا الميدان يشيب لها الولدان، وتصور أن آلاف الأمراء كل أمير يستطيع أن يستورد ويوزع ويبيع ويحمي من يريد، فكيف تريد للبلد أن ينجو من الهلاك دون الأخذ على يديه؟.
بالإضافة إلى ما سبق سعت الدولة إلى حل جذري لتلك القضايا، وذلك من خلال تغيير المناهج التعليمية، حتى ينعزل الطالب عن ارتباطه بالعقيدة والدين، ولا يفرق بعدها بين إسلام وكفر، أو بين سنة وبدعة، ويتحول إلى بهيمة تبحث عن إشباع غرائزها.

بقي أمر واحد وهو الحديث عما يسمى بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحقيقة هذه الهيئات أنها ورطة تورط النظام في إرثها، ولم يستطع التخلص منها خوفاً من ردة الفعل لدى العلماء، فسعى إلى أن يجعلها تؤدي دوراً معاكساً لما يراد منها، وهو تشويه الإسلام وتنفير الناس منه، وحوّلها بعد عدد من الإجراءات إلى مؤسسة عاجزة لا يساوي نفوذها نفوذ أصغر مركز من مراكز الشرطة، وحرمها من كل أشكال التطوير والتنظيم، وفرض عليها عدداً من الموظفين المدربين في المخابرات لتشويه صورة الإسلام، ولولا الجهود العظيمة من قبل بعض المخلصين من داخل هذا الجهاز لكان أثر هذا المشروع في تشويه صورة الإسلام من خلال هذا الجهاز أكبر بكثير من الحاصل حالياً.

فهذا واقع النظام إذاً: برنامج متكامل لحرب الإسلام في المسجد والسوق والمدرسة والتلفاز والمذياع والمجلة والجريدة وعلى مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والدولة، برنامج لمسخ الأمة وعزلها عن دينها وحضارتها، فهل يستطيع أحد أن يثبت أن النظام يدافع عن الإسلام والدعوة ويحميها؟ إن ذلك مستحيل!، بل أن يثبت أن وضع النظام مع الدعوة هو مجرد تقصير وعجز!؟. وبعد فقد أقيمت الحجة على أن حرباً غير معلنة قائمة ضد الإسلام والدعوة والدعاة في بلاد الحرمين، فكيف تبقى شرعية بعدئذ لمن نقض شعائر عظيمة مثل شعيرة الجهاد وحماية الثغور وحارب الدعوة وحمى الربا والفساد؟!.

هوامش رفع شعائر الإسلام

1)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 7/73.

2) محمد بن عبدالوهاب، المجموعة الكاملة، 9/42.

3) ابن تيمية، السياسة الشرعية، 139.

4) الجويني، غياث الأمم، 138.

5) الماوردي، الأحكام السلطانية، 5.

6) ابن تيمية، الحسبة، 6.

7) ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، 246.

انظر الرسائل والمسائل النجدية، 2/11.

9) ابن تيمية، الحسبة، 6.

10) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1/230.

11) رواه أبو داود والترمذي.

12) أورده أبو داود والترمذي.

13) رواه أبو داود.

14) رواه الترمذي ورواه مسلم في كتاب الإمارة ووجوب طاعة الأمير.

15) ابن تيمية، السياسة الشرعية، 108.

16) ابن تيمية، الفتاوى، 28/503.

17) الماوردي، الأحكام السلطانية، 16.

18) الجويني، غياث الأمم، 156.

19) انظر ابن تيمية، الفتاوى، 28/503.

20) انظر ص 40 وما بعدها من هذا البحث .

القادسية

المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى